الشيخ محمد هادي معرفة
164
التفسير الأثرى الجامع
قوله : وَقُولُوا حِطَّةٌ . وكذلك الواجب على التأويل الذي رويناه عن الحسن وقتادة في قوله : وَقُولُوا حِطَّةٌ أن تكون القراءة في « حطّة » نصبا ، لأنّ من شأن العرب إذا وضعوا المصادر مواضع الأفعال وحذفوا الأفعال أن ينصبوا المصادر ، كما قال الشاعر : أبيدوا بأيدي عصبة وسيوفهم * على أمهات الهام ضربا شآميا « 1 » وكقول القائل للرجل : سمعا وطاعة ، بمعنى : أسمع سمعا وأطيع طاعة ، وكما قال جلّ ثناؤه : مَعاذَ اللَّهِ « 2 » بمعنى : نعوذ باللّه « 3 » . * * * وقال في تأويل قوله تعالى : نَغْفِرْ لَكُمْ : يعني بقوله : نَغْفِرْ لَكُمْ نتغمّد لكم بالرحمة خطاياكم ونسترها عليكم ، فلا نفضحكم بالعقوبة عليها . وأصل الغفر : التغطية والستر ، فكلّ ساتر شيئا فهو غافره . ومن ذلك قيل للبيضة من الحديد التي تتّخذ جنّة للرأس « مغفر » لأنّها تغطّي الرأس وتجنّه ، ومنه غمد السيف ، وهو ما يغمده فيواريه ؛ ولذلك قيل لزئبر « 4 » الثوب « غفر » ، لتغطيته العورة ، وحئوله بين الناظر والنظر إليها . ومنه قول أوس بن حجر : فلا أعتب ابن العمّ إن كان جاهلا * وأغفر عنه الجهل إن كان أجهلا « 5 » يعني بقوله : وأغفر عنه الجهل : أستر عليه جهله بحلمي عنه . وقوله تعالى : خَطاياكُمْ والخطايا جمع خطيّة بغير همز ، كما في المطايا جمع مطيّة ، والحشايا جمع خشيّة . وإنّما ترك جمع الخطايا بالهمز ، لأنّ ترك الهمز في خطيئة أكثر من الهمز ، فجمع على خطايا ، على أنّ واحدتها غير مهموزة . ولو كانت الخطايا مجموعة على خطيئة بالهمز لقيل خطائي
--> ( 1 ) البيت للفرزدق في ديوانه ، وروايته عنده : « أناخوا بأيدي طاعة وسيوفهم » . أناخوا : ذلّوا وانقادوا . وأيدي طاعة : أهل طاعة . والشآمي : من الشؤم أي ضربة بؤس وشؤم . ( 2 ) يوسف 12 : 23 و 79 . ( 3 ) الطبري 1 : 429 - 430 . ( 4 ) زئبر الثوب : هو ما يعلو الثوب الجديد من مائه كالذي يعلو القطيفة والخزّ ، ويسمّونه درز الثوب أيضا . ( 5 ) أجهل : بمعنى جاهل ، كما قالوا أوحد بمعنى واحد وأميل بمعنى مائل .